محمد غازي عرابي
978
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ، ووصف سبحانه محاولات الدهريين وأفكارهم بأنها ظن ، وهذا صحيح ، ما دام الإنسان ذا فكر محدود ، لا قبل له على مد عينيه إلى ما لا يطاله فكره . [ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 26 إلى 27 ] قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 26 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ( 27 ) [ الجاثية : 26 ، 27 ] الحق هو المحيي المميت الجامع باعتباره الجوهر الفرد الصمد الذي يصمد إليه في كل أمر ، ولقد كانت مشكلة الفلسفة الملحدة قديما وحديثا هي اضطرارهم رد الطبيعة إلى الطبيعة ، ورد العقل إلى اللاعقل ، وليس ثمت مستند آخر لهؤلاء يستندون إليه في تفكيرهم هذا ، ولقد كانت قضية الواحد الذي لا واحد قبله هي إحدى الحجج التي جابه الملاحدة بها المؤمنين متسائلين وهذا الواحد من خلقه ؟ وإن كنتم تقولون إن هذا العالم يقتضي وجود خالق خلقه ، فنحن بدورنا نقول : والخالق هذا يقتضي أيضا خالقا خلقه ما دمتم تقولون أن لا بد للموجود من موجد ، وللمخلوق من خالق . . ومع هذا فلقد قالت الصوفية والفلاسفة المؤمنون وبخاصة المحدثون إن رد الطبيعة اللا عاقلة إلى خالق عاقل أقوى من ردها إليها ذاتها وجعلها ، وهي اللاعاقلة ، مبدأ العقل وبداية تطوره ، وهذا كلام فصلناه من قبل في كثير من المواضع . [ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 28 ] وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) [ الجاثية : 28 ] الأمة الجمع ، وفي الفلسفة يمكن أن تصنف الأمة على أنها النوع ، والمخلوقات أنواع ، والموجودات أنواع ، وما دام الناس تشخصات المعقولات والمعقولات أنواع ، فإن التصنيف قائم منذ الخليقة وإلى أن يحين ختامها ، فكل أمة مصنفة في اسم ، وكل اسم يمثل معقولا ما ، ووصف سبحانه هذا التصنيف بالجثو أي الجلوس والخضوع باعتبار الموصوف عبد الصفة ومحلها . [ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 29 إلى 37 ] هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 29 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 30 ) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 31 ) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ( 32 ) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 33 ) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 34 ) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 35 ) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 36 ) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 37 )